محمد بن جعفر الكتاني
مقدمة 4
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
* المقطع الثاني ، حوار مباشر ، هادئ ، يقترح فتحه كيس مع أكياس من أناس عصره ، على طريقة الترميز ، والإشارة ، تارة بالبوح الساري ، وأخرى بالمعنى الجاري ، شحذا للعزائم ، وإيقاظا للهمم . يتجه التقييد الشريف ، في شقه الثاني ، إلى إجراء حوار ضمني ، وفتح محادثة مباشرة ، مع فريق من الأكياس ، الذين لا تزال فيهم بقية من وطنية ، وحمية من حماسة ، وقليل اهتمام بالشأن العام المغربي ، تنبيها لما الأمة المغربية كلها ، مقبلة عليه ، من حوادث وأحداث ، في أوائل هذا القرن الرابع عشر الهجري ، أواخر التاسع عشر الميلادي . * لا مناص لسلوة الأنفاس إذا ، لا مفر لمحادثة الأكياس هذه ، من أن ينصبّ موضوعها الأساسي ، بوحا وحوارا ، في المقطع الثالث ، على هذه القطعة الغالية من أرض الوطن ، التي هيأها القدر ، لتكون ، رمزا لسائر الوطن ، مثوى لطائفة من أهل المغرب الأقصى ، تؤويهم بين أضلعها الخافقة ، معتزة باحتواء أجداثهم على صعيدها الطاهر ، منذ بداية التاريخ ، وإلى نهايته . . أرضا عاشوا فوق ثراها الطيب ، وضمت أضلعهم المغربية ، أقبرها الحانية ، المنبثة داخل السور ، وخارجه ، بل في حنايا كل دار أو درب وخارجهما ، صدى عميقا ، تعتمل فيه عوامل الأجساد بكوامن الأرواح ، رجعا لهوى ديني ، امتزج بعاطفة وطنية ، تحركت لتردد مع الشاعر العربي القديم ، قولته السائرة مسرى المثل ، في الواقع المغربي : يهواك ، ما عشت ، الفؤاد ، فإن أمت * يتبع صداي صداك ، بين الأقبر ويشاء اللّه العلي القدير ، أن يكون مؤلف " سلوة الأنفاس ، ومحادثة الأكياس ، بمن أقبر من العلماء ، والصلحاء بفاس " ، أحد هؤلاء السادة العلماء والصلحاء ، الذين قدر لهم أن يلقوا عصى الهجرة العلمية ، وينهوا رحلتهم الدينية ، في مسقط رأسه ، بحاضرة فاس ؛ ليكون مثواه الأخير بين زقاقاتها ودروبها وزواياها ، تطبيقا عمليا لنظريته التي أنفق سنوات عديدة من عمره في تقعيدها وتنظيرها ، وبيانها للأجيال المغربية من بعده . لا يمكن لنا أن نخفي أننا أحببنا هذا التقييد حبا كبيرا ، ملك علينا من أوقاتنا معظمها ، طيلة ثلاث سنوات أو تزيد قليلا ، جهدنا فيها على إخراجه للباحثين ، والدارسين ، والجامعيين ، والمؤرخين ، وعامة القراء الذين كتب لهم ، ومن أجلهم ، سهلا ميسرا ، محببا إلى أنفاس الجميع ، محادثة تصل إلى قلوبهم وعقولهم ، كما أرادها المؤلف الجليل . وقد حرصنا في عملنا في هذا الكتاب على التحلي - قدر المستطاع - بأخلاق المؤلف ، وآدابه ، وحاسته النقدية التاريخية ، وتواضعه ، وتدينه ، وروحانيته في بعض الأحيان ، وفاء منا لعمله ، وإنزالا له من أنفسنا المكانة التي كان ينزله مؤلفه فيها منذ ريعان شبابه عند التأليف ، وفي عز كهولته في